Monday, December 31, 2007

مصر حين تحكمها امرأة 2-2



نهاية شجرة الدر قريبة الشبه بنهاية حتشبسوت التي ماتت بالسم بينما اختارت كليوباترا الانتحار خلاصا من حياة حافلة بالدسائس والمؤامرات وبعض مغامرات الحب الساخنة ذات النتائج الكارثية

عندما دخلت الجواري إلى مخدع حتشبسوت في الصباح بعد أن أذن لهن تحتمس الثالث وجدنها جثة هامدة على رخام أسود بارد تفتح عينين واسعتين على ليل الأبدية.. وبدهاء كهنة آمون الذي تعلمه تحتمس الثالث أمر بإعداد مشهد جليل لتشييع جنازتها

كليوبراترا ساحرة الرجال لم يرتب أحد مؤامرة لقتلها بل اختارت لنفسها سم الثعبان خلاصا من حياة حافلة بالدسائس والمؤامرات وبعض مغامرات الحب الساخنة ذات النتائج الكارثية

أيمن شرف

نهاية شجرة الدر قريبة الشبه بنهاية ملكة جميلة وقوية أخرى هي حتشبسوت، فلم يغفر لها الخصب الذي تحقق في عهدها ولا المعبد الجميل الذي شيده مهندسها البارع سنموت، فقد تهامس الكهنة أولا ثم الشعب بعد ذلك بضرورة وجود فرعون حقيقي (رجل) على العرش بدلا من الملكة بمظهرها الكاذب والتي احتوت زوجها الضعيف وأباها المريض، وكان لموت أبيها تحتمس الأول ومن بعده كبير الكهنة المخلص لها ثم موت زوجها تحتمس الثاني بمرض غامض تأثيره الإيجابي على المنافسين في العرش، فجاء كبير كهنة آمون الجديد من الرافضين لحكم الملكة، وأطلت مشكلة وراثة العرش حسب القانون الكهنوتي من جديد، فالملكة لم يكن لها ولد ذكر بل أنجبت بنتين، وكان لتحتمس الثاني ولد من إحدى محظياته، دخل السلك الكهنوتي منذ طفولته في معبد آمون، وكان يكره زوجة أبيه حتشبسوت لأنها تجاهلت أباه في حياته واتخذت من اعتلال صحته فرصة للسيطرة على شئون البلاد، وفكرت حتشبسوت في أن تقضي على التمرد في مهده وأن تهاجم المعبد والكهنة لكنها تراجعت خوفا من إثارة غضب الشعب عليها.
وشرع كهنة آمون الرافضون لحكم حتشبسوت في خطتهم.. فنظموا موكبا كبيرا من الكهنة يحمل تمثال آمون، وساروا به إلى النيل ليصدر أمرا إلى النهر بأن يحول مجراه إلى أرض أصابها الجفاف، وبينما هم يطوفون بالتمثال كان الصبي تحتمس (الثالث- حسب لقبه فيما بعد) بين أقرانه من صغار الكهنة، عندئذ توقف تمثال الإله ناحية شخص معين، هو الصبي تحتمس، الذي سجد على الأرض يشكر الإله على تعطفه واختياره!، وتولى الكهنة توضيح المعجزة.. اختيار الإله آمون لتحتمس الصبي ليكون فرعونا.
ولكي تحتفظ حتشبسوت بعرشها أجلسته إلى جوارها حسب بعض مصادر التاريخ، وتقول مصادر أخرى أنها جعلت نفسها وصية عليه وعلى ابنتها صاحبة الحق في الملك بعد أن تزوجا وهما لم يبلغا سن الرشد، وظلت الملكة الحقيقية للبلاد من وراء ستار شرعية تحتمس الثالث، وفي تلك الفترة كان الفتى يزداد صلابة وراح يفرض وهو في عزلته رقابة شديدة على الملكة، وأخذ خدمها المخلصون يختفون واحدا بعد آخر، ولم يعثر على جثة واحد منهم على الإطلاق بمن فيهم أبرع رجالها المهندس سنموت.
وذات مساء عادت حتشبسوت من وليمة أقيمت لتكريم كبار المحاربين، ولم تكد تستقر حتى شعرت بألم شديد ثم قيئ مستمر، وكان وقت النجاة قد فات وسرى الموت بالسم في أوصالها، ولم يستجب أحد لصراخها، وعندما دخلت الجواري إلى مخدعها في الصباح بعد أن أذن لهن تحتمس الثالث، وجدنها جثة هامدة على رخام أسود بارد، تفتح عينين واسعتين على ليل الأبدية، وبدهاء كهنة آمون الذي تعلمه تحتمس الثالث أمر بإعداد مشهد جليل لتشييع جنازتها، وحملت المومياء إلى قبر سري، ولم يعرف أحد إن كان قبرا ملكيا أم لا.
أما كليوبراترا ساحرة الرجال فلم يرتب أحد مؤامرة لقتلها بل اختارت لنفسها سم الثعبان خلاصا من حياة حافلة بالدسائس والمؤامرات وبعض مغامرات الحب الساخنة ذات النتائج الكارثية.
كانت كليوباترا ابنة بطليموس الحادي عشر في الثامنة عشرة من عمرها وأخوها بطليموس في العاشرة عندما جاء الكهنة بوصية من محراب المعبد وكسروا أختامها وقرأوها وكان علي كليوباترا أن تتزوج أخاها وأن يحكما معا تحت اسم كليوباترا السادسة وبطليموس الثاني عشر ملكي مصر وتزوج الشابان الصغيران طبقا للطقوس المصرية وتوجا بالتاج المزدوج لمصر العليا ومصر السفلي ورضي بهما الكهنة والشعب كحاكمين مقدسين.
ولكن مكائد ودسائس القصر فرقت بين الملك الشاب وبين ملكته وزوجته التي تكبره سنا باعتبارها عميلة لروما وستبيع الاسكندرية ومصر بأجمعها إلي قيصر، فرأى الملك الشاب خلعها من العرش، وذات يوم استيقظت كليوباترا لتجد نفسها هدفا لجماهير غاضبة تطالب بتنازلها عن العرش فهربت من الإسكندرية إلي سوريا لتجمع جيشا تعود به إلى دخول مصر، فيما كانت المعارك في روما بين قيصر ومنافسه بومبي قد انتهت بانتصار قيصر ومجيئه علي متن مركب إلى شاطئ الإسكندرية وأعجبت كليوباترا بشجاعة قيصر فسألت عنه وعرفت نقطة ضعفه.. حبه للنساء، واستخدمت سحرها لتستميله في صفها ودبرت طريقة لمقابلته على متن قارب صغير ملفوفة في سجادة وركب معها بحار مخلص يحفظ سرها، ووصل القارب أمام قيصر لتخرج من السجادة الملفوفة ملكة مصر، وعلى الفور وقع قيصر الذي كان قد تجاوز الخمسين من عمره في هوى الملكة الجميلة وساندها في ادعائها بأحقية الملك وبقي بالإسكندرية ليستمتع بربيع كهولته، وبعد موت أخيها بطليموس غرقا ووقوع أختها ومنافستها في العرش أرسينوي في الأسر، أصبحت كليوباترا قاب قوسين أو أدنى من تحقيق حلمها الامبراطوري مع يوليوس قيصر، الذي اعترف باستقلال مصر، وأثمر حبهما عن حمل، وكان ضروريا إعلان زواجها منه في حضرة الإله آمون طبقا للتقاليد المصرية، لكن القدر لم يمهلها كثيرا، فلم يمض وقت طويل علي عودتها إلي الإسكندرية حتي وضعت طفلها قيصرون، ولكن بعد أن مات أبوه.
وراحت كليوباترا تباشر حكم البلاد فنظمت الضرائب واهتمت بالزراعة والري وحققت قدرا من الرخاء والطمأنينة للبلاد وزادت من تجميل الإسكندرية وأعادت تكوين مكتبتها وشجعت علماء الكيمياء والرياضيات والفلاسفة ورعت فنون التصوير والنسيج، ولاحت أمام عيني كليوباترا فرصة أخري لتقتسم حكم العالم، فقد تنافس أنطونيوس وأوكتافيوس على الحكم في روما، وكانت هي ما تزال في ذروة جمالها، فوجهت الدعوة إلي انطونيوس لتناول العشاء وهيأت نفسها لكي تخلب عقل ضيفها، وسرعان ما تخلي انطونيوس عن مستقبله في روما ليتبع كليوباترا ويستقر في الإسكندرية، مما أثار غضب منافسه أوكتافيوس ومجلس الشيوخ في روما، ووقفت روما ضد الإسكندرية وأوكتافيوس ضد انطونيوس وكليوباترا، وكان عليهما أن يخوضا غمار حرب حتي النهاية.. وهزم انطونيوس ووقعت كليوباترا في الأسر ووجدت نفسها في حضرة أوكتافيوس يملي عليها شروطه، أن تذهب معه إلي روما وأن تمشي في موكب انتصاره هي وأطفالها فطلبت منه أن تذهب وتسكب قربانا من الخمر علي قبر انطونيوس وعندما عادت إلي الضريح أغلقت علي نفسها الباب ثم انتحرت بلدغة ثعبان وعندما دخل الجنود الرومان غرفتها وجدوها جثة في كامل ثيابها الملكية وعلي جبينها تاجها الملكي المحلى برأس الحية الذهبية "سيدة الحياة"
أرابيسك- أيمن شرف- الدستور 12 ديسمبر 2007

0 Comments:

Post a Comment

<< Home